Skip to main content
تبرعوا الآن

دول الخليج: إجراءات حماية العمال الوافدين من الحر لا تكفي بتاتا

التعرض لدرجات الحرارة القصوى ينطوي على مخاطر صحية تشمل الوفاة

عمال بناء في الدوحة، قطر، 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2022.  © 2022 ddp images via AP Photo

(بيروت) – قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن دول "مجلس التعاون الخليجي" تعرض العمال الوافدين لصيف قاتل آخر دون توفير إجراءات كافية لحماية الصحة والسلامة المهنية، بينما ترتفع درجات الحرارة إلى مستويات خطيرة.

يُترك العمال الوافدون، ولا سيما العاملون في الهواء الطلق، ليتدبروا أمورهم بأنفسهم وهم يحاولون التوفيق بين ضغوط الحر الشديد والعمل المرهق، والمطالب المستمرة من أرباب عملهم. قال أحد العمال: "الحر شديد لدرجة أنه يتجاوز قدرة الشخص العادي على التحمل".

قال مايكل بَيْج، نائب مديرة الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش: "رغم وفرة الأدلة بشأن ارتفاع درجات الحرارة العالمية والمخاطر الصحية الشديدة التي يشكلها التعرض للحر الشديد، تتباطأ دول الخليج في اعتماد تدابير حماية كافية. تمتلك دول الخليج القدرة المالية والعملية لاعتماد هذه التدابير، بما يشمل تقييد ساعات العمل بناءً على العتبات الفعلية لدرجات الحرارة بدلا من الجداول الزمنية الثابتة".

بين فبراير/شباط ومايو/أيار 2026، تحدثت هيومن رايتس ووتش مع 20 عاملا وافدا من باكستان وبنغلاديش ونيبال يعملون في البناء والتوصيل على الدراجات عبر التطبيقات حول قضايا الحر والصحة والسلامة المهنية في الكويت وقطر والسعودية والإمارات. هذه هي السنة الرابعة على التوالي التي تجري فيها هيومن رايتس ووتش مقابلات مع عمال يعملون في الهواء الطلق لفهم مخاطر الحر الشديد بشكل أفضل.

يصادف يونيو/حزيران بداية فترة سريان حظر العمل في منتصف النهار في دول خليجية عدة، وهو الإجراء الوحيد المتخذ لحماية العمال من التعرض للحر، والذي يحظر العمل في الهواء الطلق خلال ساعات معينة في أشهر الصيف. يسري هذا الحظر عموما من يونيو/حزيران حتى أغسطس/آب أو سبتمبر/أيلول، ويقيّد العمل في الهواء الطلق بين أواخر الصباح ووسط بعد الظهر.

مع ذلك، هناك أدلة علمية متزايدة على محدودية الحظر القائم على التقويم والوقت في حماية العمال من المخاطر الصحية المرتبطة بالحرارة.

وصف عامل في بناء الطرق مقيم في الإمارات الحر بأنه "لا يطاق"، وروى أنه كان يعمل في الهواء الطلق عندما وصلت الحرارة إلى 48 درجة مئوية: "خلال الصيف، يصبح من الصعب العمل بحلول الساعة 7:30 أو 8:00 صباحا، لكننا مضطرون للعمل حتى الساعة 11:30 صباحا مهما كان الأمر. تلك هي أصعب فترة". وأضاف أن العمال الوافدين في دول الخليج يضطرون إلى الاستعداد نفسيا لفصل الصيف القادم، متسائلين: "كيف سنجتاز هذا العام؟"

يمكن أن يتسبب التعرض للحر الشديد في ضربة شمس قاتلة، وتفاقم الحالات الصحية الموجودة أصلا، وإضعاف الوظائف الإدراكية، وزيادة خطر الإصابات في مكان العمل. كما يمكن أن يتسبب في أضرار صحية دائمة، مثل الفشل الكلوي، وحتى الوفاة المبكرة.

قال عامل مقيم في الإمارات: "أحيانا نسمع أخبارا تفيد بأن شخصا في شركة أخرى انهار بسبب الحر وتوفي. عندما نسمع ذلك، تقشعر أبداننا. ونفكر: 'ربما غدا سيحين دورنا. فنحن أيضا نعمل في الحر نفسه'". 

يثبت التقرير التقييمي السادس لـ "الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ" أن موجات الحر الشديد قد ازدادت في جميع أنحاء شبه الجزيرة العربية، مع دور مساهم لتغير المناخ الناجم عن الأنشطة البشرية. وجدت دراسة أجرتها منظمة "وورلد ويذر أتريبيوشن" عام 2024 حول موجة الحر في غرب آسيا أن تغير المناخ الناجم عن الأنشطة البشرية زاد احتمال حدوث هذه الظاهرة بنحو خمسة أضعاف، وجعلها أكثر حدة بنحو 1.7 درجة مئوية عما كانت ستكون عليه في عالم خالٍ من الاحترار الناتج عن الوقود الأحفوري.

وفقا لدراسة سريعة أجرتها وورلد ويذر أتريبيوشن، فإن تغير المناخ يجعل رحلة الحج التي يقوم بها المسلمون إلى مكة أكثر حر بشكل خطير في وقت مبكر من العام مقارنةً بالماضي، حيث أصبحت درجات الحرارة التي كانت تقتصر على أشهر ذروة الصيف من يونيو/حزيران إلى أغسطس/آب تحدث الآن في مايو/أيار أو حتى قبل ذلك.

تحدثت هيومن رايتس ووتش مع ستة عمال توصيل بالدراجات يعملون عبر التطبيقات أو ما يُعرف بالمنصات، رووا أن من الشائع الافتقار إلى مناطق استراحة باردة أو مظللة، وضعف الرؤية تحت أشعة الشمس الحارقة، وتشويش الرؤية بسبب الحرارة، وارتفاع درجة حرارة الأجهزة اللازمة لعملهم، وحدوث تأثيرات صحية مباشرة مثل حروق الشمس، والأمراض المرتبطة بالحر، مثل الدوار والإغماء. 

كما وصفوا الضغوط التي يمارسها عليهم شركات المنصات، منها التوصيلات التي تتطلب سرعة في التسليم والخوف من فقدان الدخل أو فقدان وظائفهم، ما يجعل من الصعب رفض الطلبات حتى عندما تكون الظروف غير صحية أو غير آمنة.

قال عامل مقيم في الإمارات: "إذا وصل طلب، عليك توصيله حتى لو كان الجو حارا أو إذا ممطرا. كانت بعض مواقع الاستلام توفر مناطق للراحة ومياه باردة، كما وفرت بعض الشركات مناطق راحة مثل الحافلات المكيفة، في حين تمكنت شركات أخرى من تعديل جداولها لتشمل ساعات الليل الأكثر برودة.

قال أحد العمال: "خلال الأشهر الثلاثة شديدة الحر، كانت توجد في بعض الأماكن حافلات مكيفة كل 15–20 كيلومتر مخصصة لراحة سائقي التوصيل بالدراجات. كما كانت تتوفر المياه. إذا كان الحر شديدا، كان بإمكاننا الاستراحة هناك… لكن تلك المرافق كانت موجودة في أماكن محدودة فقط".

بعض دول الخليج مثل الكويت وقطر منعت صراحةً توصيل الطلبات بالدراجات في ساعات الحظر في منتصف النهار خلال الصيف. فرضت الإمارات توفير محطات راحة وتبريد لسائقي التوصيل بالدراجات، وأعلنت مؤخرا عن توسيع مناطق الراحة هذه.

ينبغي لدول الخليج اعتماد تدابير للحماية من الحر في أماكن العمل تستند إلى الأدلة العلمية، مثل مؤشر درجة ميزان الحرارة الرطب المستخدم على نطاق واسع، والذي يقيس الإجهاد الحراري في أماكن العمل بناءً على درجة حرارة الهواء والرطوبة النسبية. ينبغي أن تشمل هذه التدابير جداول عمل وراحة تستند إلى الأدلة العلمية وتسترشد بعتبات درجة ميزان الحرارة الرطب في الوقت الفعلي وكثافة العمل، فضلا عن توفير المياه الباردة ومناطق الراحة المظللة والباردة، وذلك لمنع الإصابة بالأمراض والوفاة المرتبطة بالحر بين العاملين في الهواء الطلق. لم تقم سوى قطر، عام 2021، بتطبيق هذا المؤشر بحد أقصى يبلغ 32.1 درجة مئوية لوقف العمل في الهواء الطلق، لكن هذا الحد مرتفع للغاية ولا تزال هناك ثغرات في التنفيذ.

قال أحد العمال: "عندما نتعرق كثيرا، يصبح الجسم ضعيفا للغاية. لكن بسبب ضغوط الشركة، نواصل العمل. العقل يقول: 'أنا قادر'، لكن الجسم لا يلبّينا… في كل موسم، ينهار شخص ما".

هناك أيضا تباينات كبيرة في تدابير الصحة والسلامة المهنية التي توفرها الشركات الخاصة. قال أحد العمال: "إذا حدث أي شيء في الموقع، تتوفر المرافق الطبية على الفور. في المواقع الكبيرة، يتواجد أطباء. الشركات الجيدة توفر جميع المرافق. أما في الشركات الأصغر، فلا توجد مثل هذه المرافق". 

قال عامل آخر: "توفر بعض المواقع مياه باردة، بينما لا توفرها مواقع أخرى. للحفاظ على الترطيب، تحتاج إلى استخدام المراحيض بشكل متكرر. لكن العديد من مواقع البناء لم تكن مزودة بمرافق صحية مناسبة".

قال مساعد بناء مقيم في قطر: "كنا نشعر بالدوار عند العمل في الحر. كنا نستريح خمس إلى 10 دقائق، وبعدها كان رئيس العمال يستدعينا مجددا للعمل. وإذا استلقينا، كان يصرخ فينا فورا ويأمرنا بأن ننهض ونعمل". لم تكن منطقة الراحة في موقع البناء الذي يعمل فيه مزودة بالتكييف أو ثلاجة لحفظ طعام العمال: "أحيانا، كانت رائحة الطعام كريهة وكنا نضطر إلى التخلص منه".

قالت هيومن رايتس ووتش إن الافتقار إلى سياسات قوية قائمة على الأدلة لمنع التعرض الخطير للحر، بالإضافة إلى عدم كفاية الرقابة من جانب السلطات، قد حوّل تدابير الحماية من الحر إلى لعبة حظ، إذ غالبا ما تعتمد صحة العمال وسلامتهم في درجات الحرارة القصوى على رحمة المشرفين وأصحاب العمل.

خلص التقرير الأخير لـ هيومن رايتس ووتش حول العمل عبر المنصات إلى أن العاملين في الوظائف المؤقتة غالبا ما يواجهون ظروف عمل خطيرة، منها الحر الشديد، مع حماية لا تُذكر في حالة إصابتهم أو عجزهم عن العمل.

حددت معاهدة جديدة لـ "منظمة العمل الدولية"، اعتُمدت في 12 يونيو/حزيران، معايير العمل للوظائف المؤقتة، وتتضمن قسما عن السلامة والصحة المهنية. وتُلزم المعاهدة الحكومات باتخاذ تدابير وقائية كافية لمنع حوادث العمل والأمراض المهنية والمخاطر الأخرى التي تهدد صحة العاملين في الوظائف المؤقتة.

قالت هيومن رايتس ووتش إنه ينبغي للحكومات التصديق على الاتفاقية على وجه السرعة وتطبيقها في القانون المحلي، بما يشمل اتخاذ تدابير للتصدي بشكل ملائم لمخاطر الحر الشديد.

قال بَيْج: "ارتفاع درجات الحرارة عالميا يجعل حر الصيف الشديد السائد في الخليج أكثر خطورة، لا سيما لملايين العمال الوافدين الذين يعملون في الهواء الطلق دون راحة كافية أو ترطيب كافٍ. ينبغي لدول الخليج ضمان الحمايات اللازمة لسلامة جميع العمال وصحتهم". 

Your tax deductible gift can help stop human rights violations and save lives around the world.

الأكثر مشاهدة